ابن أبي الحديد

48

شرح نهج البلاغة

وعوازب أحلامها : ما ذهب من عقولها ، عزب عنه الرأي ، أي بعد . ويسني لكم طرقه ، أي يسهل . والعقب ، بكسر القاف : مؤخر القدم ، وهي مؤنثة . فإن قلت : فإن قوله : " حتى تؤوب " يدل على أغاية ملكه أن تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها ، وعبد الملك مات في ملكه ولم يزل الملك عنه بأوبة أحلام العرب إليها فإن فائدة " حتى " إلى ، وهي موضوعة للغاية . قلت : إن ملك أولاده ملكه أيضا ، وما زال الملك عن بنى مروان حتى آبت إلى العرب عوازب أحلامها ، والعرب هاهنا : بنو العباس ومن اتبعهم من العرب أيام ظهور الدولة كقحطبة بن شبيب الطائي وابنيه حميد والحسن ، وكبني رزتني ، بتقديم الراء المهملة ، الذين منهم طاهر بن الحسين وإسحاق بن إبراهيم المصعبي وعدادهم في خزاعة وغيرهم من العرب من شيعة بنى العباس . وقد قيل : إن أبا مسلم أيضا عربي أصله ، وكل هؤلاء وآبائهم كانوا مستضعفين مقهورين مغمورين في دولة بنى أمية لم ينهض منهم ناهض ، ولا وثب إلى الملك واثب ، إلى أن أفاء الله تعالى إلى هؤلاء ما كان عزب عنهم من إبائهم وحميتهم ، فغاروا للدين والمسلمين من جور بنى مروان وظلمهم ، وقاموا بالامر ، وأزالوا تلك الدولة التي كرهها الله تعالى ، وأذن في انتقالها . ثم أمرهم عليه السلام بأن يلزموا بعد زوال تلك الدولة الكتاب والسنة ، والعهد القريب الذي عليه باقي النبوة - يعنى عهده وأيامه عليه السلام - وكأنه خاف من أن يكون بإخباره لهم بأن دولة هذا الجبار ستنقضي إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها ، كالأمر لهم باتباع ولاة الدولة الجديدة في كل ما تفعله ، فاستظهر عليهم بهذه الوصية ، وقال لهم : إذا ابتذلت الدولة ، فالزموا الكتاب والسنة ، والعهد الذي فارقتكم عليه .